محمد بن جرير الطبري
17
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ فنسخ واستثنى من ذلك ، فقال : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن هذه الآية محكمة فيما أنزلت لم ينسخ منها شيء ، وأن طعام أهل الكتاب حلال وذبائحهم ذكية . وذلك مما حكم الله على المؤمنين أكله بقوله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ بمعزل ، لأن الله إنما حرم علينا بهذه الآية الميتة وما أهل به للطواغيت ، وذبائح أهل الكتاب ذكية سموا عليها أو لم يسموا لأنهم أهل توحيد وأصحاب كتب لله يدينون بأحكامها ، يذبحون الذبائح بأديانهم كما ذبح المسلم بدينه ، سمى الله على ذبيحته أو لم يسمه ، إلا أن يكون ترك من ذكر تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل ، أو بعبادة شيء سوى الله ، فيحرم حينئذ أكل ذبيحته سمى الله عليها أو لم يسم . القول في تأويل قوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها وهذا الكلام من الله جل ثناؤه يدل على نهيه المؤمنين برسوله يومئذ عن طاعة بعض المشركين الذين جادلوهم في أكل الميتة بما ذكرنا عنهم من جدالهم إياهم به ، وأمره إياهم بطاعة مؤمن منهم كان كافرا ، فهداه جل ثناؤه لرشده ووفقه للإيمان ، فقال لهم : إطاعة من كان ميتا ، يقول : من كان كافرا . فجعله جل ثناؤه لانصرافه عن طاعته وجهله بتوحيده وشرائع دينه وتركه الأخذ بنصيبه من العمل لله بما يؤديه إلى نجاته ، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة ولا يدفع عنها من مكروه نازلة فَأَحْيَيْناهُ يقول : فهديناه للإسلام ، فأنعشناه ، فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها ، ويعمل في خلاصها من سخط الله وعقابه في معاده ، فجعل إبصاره الحق تعالى ذكره بعد عماه عنه ومعرفته بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك حياة وضياء يستضيء به ، فيمشي على قصد السبيل ومنهج الطريق في الناس . كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لا يدري كيف يتوجه وأي طريق يأخذ لشدة ظلمة الليل وإضلاله الطريق ، فكذلك هذا الكافر الضال في ظلمات الكفر لا يبصر رشدا ولا يعرف حقا ، يعني في ظلمات الكفر . يقول : أفطاعة هذا الذي هديناه للحق وبصرناه الرشاد كطاعة من مثله مثل من هو في الظلمات متردد لا يعرف المخرج منها في دعاء هذا إلى تحريم ما حرم الله وتحليل ما أحل وتحليل هذا ما حرم الله وتحريمه ما أحل ؟ . وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجلين بأعيانهما معروفين ، أحدهما مؤمن ، والآخر كافر . ثم اختلف أهل التأويل فيهما ، فقال بعضهم : أما الذي كان ميتا فأحياه الله فعمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ وأما الذي مثله في الظلمات ليس بخارج منها : فأبو جهل بن هشام . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : أخبرنا سليمان بن أبي هوذة ، عن شعيب السراج ، عن أبي سنان عن الضحاك ، في قوله : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ قال : عمر بن الخطاب كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ قال : أبو جهل بن هشام . وقال آخرون : بل الميت الذي أحياه الله عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وأما الذي مثله في الظلمات ليس بخارج منها : فأبو جهل بن هشام . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن بشر بن تيم ، عن رجل ، عن عكرمة : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ